سيد محمد طنطاوي

136

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * أي أفلا تعقلون يا أهل الكتاب هذا الأمر البديهي وهو أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا للشيء المتأخر عنه ؟ فالاستفهام لتوبيخهم وتجهيلهم في دعواهم أن إبراهيم - عليه السّلام - كان يهوديا أو نصرانيا . ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر مخالفة أهل الكتاب لمقتضيات العقول السليمة وهو أنهم يجادلون في أمر ليس عندهم أسباب العلم به فقال - تعالى - * ( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِه عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِه عِلْمٌ ) * . والمعنى : أنتم يا معشر أهل الكتاب جادلتم وبادلتم الحجة - سواء أكانت صحيحة أم فاسدة في أمر لكم به علم في الجملة ، كجدالكم فيما وجدتموه في كتبكم من أمر موسى وعيسى - عليهما السلام - أو كجدالكم فيما جاء في التوراة والإنجيل من أحكام ، ولكن كيف أبحتم لأنفسكم أن تجادلوا في أمر ليس لكم به علم أصلا ، وهو جدالكم في دين إبراهيم وشريعته ؟ لأنه من البديهي أن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا إذ وجوده سابق على وجودهما بأزمان طويلة . وإذن فجدالكم في شأن إبراهيم هو لون من ألوان جهلكم ومخالفتكم لكل ما تقتضيه العقول السليمة ، والنفوس المستقيمة . وقوله - تعالى - * ( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ ) * ها حرف تنبيه ، وأنتم مبتدأ ، وهؤلاء منادى بحرف نداء محذوف * ( حاجَجْتُمْ ) * خبر المبتدأ أنتم . والتقدير : أنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم . ويرى صاحب الكشاف أن قوله * ( أَنْتُمْ ) * مبتدأ و * ( هؤُلاءِ ) * خبره . و * ( حاجَجْتُمْ ) * جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى . والمعنى : أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم « فيما لكم به علم » مما نطق به التوراة والإنجيل . * ( فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِه عِلْمٌ ) * ولا ذكر له . في كتابيكم من دين إبراهيم . . ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم » « 1 » . وتكرير هاء التنبيه في قوله * ( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) * يشعر بغرابة ما هم عليه من جهل ، ومجافاته لكل منطق سليم . قال الرازي : وقوله * ( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِه عِلْمٌ ) * يحتمل أنه لم يصفهم بالعلم

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 371 .